مذكرة دفاع في القضية رقم / 368/ جلسة 7/6/ 2009
 
مقدمة
 
من المحامي مهند الحسني بالوكالة عن الدكتور وليد البني
 
أولاً : في الوقائع و المراحل التي مرت بها القضية :
 
قبل الخوض في تفاصيل القضية و إثبات براءة الموكل كما يثبتأن الواحد و الواحد اثنان و كما يثبت أن الشمس و القمر لا يلتقيان.
 و قبل الخوض في تفاصيل شهادة الشهود السبعة الذين كانوا قد أطاحوا بالمزاعم الملفقة لنجل الأمين العام للإتحاد العام لعمال البلديات العامة " مخبر إدار سجن عدرا المركزيالسيد عقبة عاشور " ...!!
فإنني أســتميح الهيئة الموقرة بعرض موجز لخلفية هذه القضية بظروفها و ملابساتها سواء لجهة المتهم فيها الدكتور وليد البني ....أو لجهة المخبر " عقبة عاشور " ..... أو لجهة البيئة التي أحاطت بالموكل في سجن دمشق المركزي و ما خفي من جوانب الحقيقة التي يشكل الوصول إليها هدفاً لهيئتكم الموقرة.
 
الموكل في هذه القضية "الدكتور وليد البني " طبيب أخصائي و مدرس سابق بالمعهد الطبي و ناشط اجتماعي ساهم في تأسيس عدة جمعيات منها "انعاش الفقير " على سبيل المثال لا الحصر.
إضافة لكونه مفكر سياسي معروف سبق له و أن تمّ اصطفائه عام 2001 ليعتقل على خلفية ربيع دمشق لمشاركته في حركة المنتديات و أمضى في الزنزانة الانفرادية قرابة الخمس سنوات.
ثم أعيد اعتقاله مجدداً على خلفية حضور الاجتماع الموسع للمجلس الوطني لإعلان دمشق للتحول السلمي الديمقراطي و الذي كان قد حضره مائة و سبعة و ستين شخصية و اعتقل من بينهم اثنا عشر شخصية و صدر حكماً بمواجهتهم بالاعتقال لمدة سنتين و نصف.
للموكل شـجاعة لا يلام عليها حملته لممارسة حقه في التفكير و التعبير عن رأيه بصدق و أمانة و إقدامً.
للموكل أيضاً مثالية كان قد اعتصم بها أملت عليه الاهتمام بالشأن العام .
 
و لا يخفى على مقام الهيئة الموقرة أن ظاهرة الاعتقال السياسي ظاهرة عامة و قديمة تاريخياً ، فكم من الرجال الصناديد على مدى التاريخ الذين كانوا قد حوكموا و حكموا .... اتهموا ثم أدينوا .... عانوا و صبروا .... لا لشيء إلا لأن منطقهم الاجتماعي لم يكن يتوافق مع منطق خصومهم السياسيين قبل أن تغزوا الأفكار العقول و الضمائر مطلع القرن التاسع عشر.
 
و المشكلة لدينا في سوريا أننا مازلنا نعاني من فريق متشدد من القائمين على إدارة المؤسـسات العقابية مازال متلبساً بالأفكار الظلامية للعصورالوسطى التي تنظر للمعارض السياسي بوصفه عدواً لله والوطن لا بوصفه معارضاً للحكومة أو النظام السياسي القائم و تطمس المسافة ما بين مفاهيم مختلفة كالوطن والحاكم و السلطة و.... غيرها و تعتبرها جميعاً قيم أزلية سرمدية رمزية لا معقب عليها لأحد.
هذا الفريق لم تمر عليه" مع الأسف الشديد "  رياح التغيير  التي أثرت عبر الأفكار و القيم وغزت العقول و الضمائر منذ مطلع القرن التاسع عشر مع أعلام الفكر الحر في السياسة والقانون و الاقتصاد و  التي بموجبها تحولتالنظرة للمعتقل السياسي من عدو الله و الوطن إلى صاحب عقيدة و وجدان يرنو لمستقبلأفضل له و لأبنائه من بعده.
و الحقيقة أنه كثيراً ما يستغل هذا الفريق المتشدد فرصةوجود أمثال الدكتور البني و رفاقه من عيون المعارضة السورية كنزلاء في المؤسـسةالعقابية لإثبات الولاء و التماس البراء.
و هو ما تكرر مع عدد من المعتقلين السياسيين في سجن دمشقالمركزي في علاقتهم مع إدارة السجن لاسيما الإدارة السابقة للسجن التي حاولت أنتغتنم فرصة وجود المعارضين السياسيين كسجناء لديها لتوظيفهم في كسب الرضا و التماسالثناء.
و بالطبع لم يكن أولهم الدكتور وليدالبني فقد سبقه على ذات الطريق الدكتور كمال اللبواني و الأستاذ أنور البني والكاتب و المحلل السياسي فايز ساره  وغيرهم العديد من المعارضين السياسيين في سجن دمشق المركزي الذين أحيلوا للقضاءبذات التهم و ذات الأوصاف و وفقاً لذات السيناريو.
في كل مرة يدخل فيها معارض سياسي سجن دمشق المركزي تزج فيهإدارة السجن بين اللصوص و السفاكين ، ثم تمنع عليهالاتصال مع محيطه الخارجي من خلال تحذير النزلاء من مغبة التعاطي معه.
( لطفاً شهادة طارقمجلي أمام محكمتكم الموقرة و التي أكد فيها أن إدارة السجن طلبتهم بعد دخولالدكتور البني الجناح و حذرتهم بأن له وضع خاص و طلبت منهم عدم التعاطي أو الحديثمعه و تحذير بقية النزلاء منه )
و كانت العقوبات الرادعة " بما في ذلك الإحالة للقضاء" هي المصير الحتمي لكل من تسول له نفسه التعاطي الإنساني مع السجين السياسيكما حدث في قضية الكاتب فايز ساره الذي أحالت بموجبه إدارة السجن النزيل الذي أقدمعلى مشاركته الطعام للقضاء بتهمة التعرض للآداب العامة.
 بعدها تحجب عنهإدارة السجن الحقوق الأساسية من قراءة و مطالعة و اقتناء الأغراض التي يقتنيهاغيره من النزلاء أو الاستماع للمذياع أو ارتياد المكتبه العمومية أو الاشتراكبدورات الكمبيوتر أو اللغات التي تنظمها إدارة السجن .
و تفرض عليه حالة من العزلة و الصمت و الملل و القنوط بحيث لايجد ما يفعل أو من يتحدث معه و باختصار تحيطه بحالة من النفور الاجتماعي و كأنهمصاب بمرض جلدي معدي.
و في المرحلة الثانية تبث من حوله العيون و توظف البصاصين وسارقي السمع لمراقبة كل كلمة أو نفس أو حركة أو إيماءه أو اشاره أو التفاته تصدرعنه ......
طبعاً كل ذلك بهدف جعل ظروف تنفيذ العقوبة بالنسبة له ظرفاًمشدداً بالمقارنة مع غيره من السجناء الجنائيين لإيقاع أكبر نسبة من الإيلام و هدرالذات به.
 
و فيما يتعلق بالمخبر في هذه القضية " المخبرعاشور " كما هو معروف في السجن و كما أوضح ذلك بعض الشهود المستمعين أماممحكمتكم الموقرة و منهم الشاهد أحمد جبالي الذي كان المخبر عاشور قد ادعى أمامالجميع بأنه طبيب و  عالجه من آلام الظهر.......أو كما حاول الظهور أمام محكمتكم الموقرة إبان الاستماع إليه و عرف عن نفسهبأنه " نجل الأمين العام للإتحاد العام لنقابات عمال البلديات العامة.... !!
لا فرق فجميع الدروب توصلنا لمعرفة من هو " المخبرعاشور " الذي اصطفته إدارة سجن دمشق المركزي ليكون للتجسـس على الموكل.
هو شاب ذكي و آفاق في مقتبل العمر، ضلّ الطريق فتحول إلى لصسيارات و صدر الحكم بمواجهته بالأشغال الشاقة خمس سنوات و قبلها أمضى سبع سنوات ونصف في السجن بجناية سرقة الأموال العامة كما جاء على لسانه في محضر الاستماعلشهادته أمام هيئتكم الموقرة ، هذا عدا عن دعوى الحق العام المقامة ضده بتهمة القتلالعمد في قضية هي الثالثة في سجله العدلي، طبعاً هذا عدا عن اعترافه أمامكم بأنهمهرب و قد سبق له و أن حدد أمام محكمتكم الموقرة  الحيز المكاني الذي كان يمارس فيه جرم التهريب.
وإضافة لكل تلك المواهب و في أوقات الفراغ فقط ، و إبان تنفيذه  للعقوبات المقررة بحقه، كان " المخبر عاشور"  يملئ وقت فراغه بالنصب و الاحتيال حيناًَو بالوشاية الأمنية و كتابة التقارير الاستخباراتية و اختلاق الجرائم و التهم بزملائهالسجناء حيناً آخر.
( و هو ماأثبتناه لمحكمتكم الموقرة بشهادة الشهود المستمعين الستة الذين استمعتم لهمبالجلسة السابقة )
و كما سلف ذكره فالقائمين على إدارة سجن دمشق المركزي و معالأسف الشديد لم يجدوا خيراً من المخبر عاشور بمؤهلاته الإجرامية و مواهبه الأمنيةليكون عيناً لهم ليتلصصوا من خلاله على الدكتور وليدالبني.
" لطفاً-  إفادته أمام قاضي التحقيق العسكري التيجاء فيها بالحرف : كلفت من إدارة السجن بمراقبة السجين وليدالبني كونه سجين سياسي و نقل كل ما يقوله أو يصدر عنه من تصرفات أو يقوم به منحركات أيضاً "
هذه المرة اقتنص المخبر عاشور الفرصة التي قدمتها له إدارةسجن دمشق المركزي على طبق من ذهب، فاستفاد من كلا الموهبتين اللتين حباهما الله لهفي وقت واحد.
فمن جهة استجر من الدكتور البني مبلغ خمسة عشر ألف وخمسمائة ليرة سورية بدسيسة احتيالية مفادها أن الجناح الذي زج فيه مخصص للصوص و أنلديه صندوقاً معداً للاحتفاظ بالودائع و الأمانات ومرخص له به من قبل إدارة السجنو أن بإمكان الدكتور البني تسليمه ما لديه من نقود كانت بحوزته إبان إلقاء القبض عليه من عيادته، و ذلك على سبيل الوديعة و الأمانة علىأن يعيدها له بهيئتها ومواصفاتها عند أول مطالبه و قد استعان على دسيستهالاحتيالية بقلة خبرة الدكتور البني بالأوساط الاجرامية، و بظرف مهد له و وضعالدكتور البني بأجواءه حاول من خلاله الظهور كطبيب و سليل عائلة برجوازية وعلاقاته نافذة مع عليّة القوم لا سيمافي دوائر صنع القرار في سوريا
( وهاتين الواقعتين ثبتتا لمحكمتكم الموقرة بشهادة خمسة شهود هم طارق مجلي و بشار الشيخ و محمد فؤاد ريحاوي و معتزكنجو و أحمد جبالي )
 
بالوقت نفسه و من باب إدارة الأزمة المحتملة و القادمة "لامحالة" بعد مطالبة الدكتور البني باسترداد أمانته المودعة لديه فقد وظفالمخبر عاشور الموهبة الثانية التي خصه الله بها و المتمثلة بالوشاية الأمنيةوكتابة التقارير الاستخباراتية لسد الطريق أمام الدكتور البني للمطالبة بحقه و فتحالمنافذ أمامه للخروج بالمبلغ سالماً.
فإستلهم من وحي الخيال الأمني صور و قصص و تلفيقات ما أنزلالله بها من سلطان و صاغها في معين تقارير استخباراتية محكمة الأداء.
أراد من خلالها القضاء على الضحية بالضربة القاضية بإغلاقجميع المنافذ و الثغرات أمام الدكتور البني للدفاع عن نفسه في محاولة منه للإحاطةبجميع تفاصيل المشهد السياسي العام الداخلي و الإقليمي و الدولي محاولاً العزف على الوتر الحساس و المؤثر والنفخ في الشريان الذي يصعد مباشرة لأدمغة المحققين الأمنيين " الأزةاللبنانية و إغتيال الحريري و قضية المحكمة الدولية ... الخلافات داخل الأسرةالحاكمة و علاقتهم ببعض و اعتقال الضباط و العصيان داخل الجيش ... نظرية المحاور والاستقطاب الايراني السوري....د : كمال اللبواني و أنور البني رمز الكفاح العربي .... رياض الترك و عارف دليلة و غيرهم من رجالاتالمعارضة السورية .....إلخ.
معتقداً  أن تلكالأوصاف الطنانة و الأسماء الرنانة ستكون كفيلة بسحب الدكتور البني من على سطحالأرض بسجن دمشق المركزي و إخفاءه في ظلمات أقبية لا قرار لها و بذلك يغلق الملفبرمته و يبق المال بحوزته و يضرب عصفورين بحجر و احد .
لكن الله غالب على أمره فحينما استدعي الدكتور البنيللتحقيق معه من قبل المفرزة الأمنية اكتشفوا موضوع المال و الاحتيال و اتضحتالرؤية أمامهم و علموا أن مندوبهم كان يعمل على خطين متوازيين بأن واحد و استخدمالدكتور البني لحسابه الخاص و في غير ما كان معداً له كأدلة لإثبات الولاء و كسبالثناء و أن "المخبر عاشور" و الذي لم يعد مكتوماً   كان يستعمل يده اليسرى في استجرار المال منالضحية بدسائسة الاحتيالية و يده اليمنى لتسطير التقارير الأمنية بها .
الأمر الذي أثار حنقهم و غضبهم و هو ما يفسر السبب بتحويلهلجناح العقوبات بعد أن انتهى دوره كما هو ثابت من إفادته أمامكم و من شهادةالشهود.
غير أن خروج المخبر عاشور بجشعه و طمعه عما كان مرسوماً له وارتكابه جرم الاحتيال على الدكتور البني بمبلغ الخمسة عشر ألفاً و استخدامهللدكتور البني فيما لم يكن متفقاً عليه.
 عزز موقف الدكتورالبني وبخاصة  أنه لم يكن لدى المخبر عاشورأي إثبات على صدق مزاعمه، إضافة إلى أن واقعة الاحتيال على الدكتور البني انتشرت في الأوساط السجنية و فضحت الباعثمن وراء مزاعمه و الدوافع غير الكريمة التي حملته لنسج تلفيقاته.
و بالنتيجة تمّ التحقيق مع الدكتور البني بأجواء عاديةفأنكر في الضبط الأمني جميع مزاعم المخبر عاشور الإنكار التام الشامل المطبق و أكدعلى براءته من جميع العبارات المسندة إليه و بيّن الدافع الشائن وراء تلفيق تلك المزاعم .
و أمام السيد قاضي التحقيق كرر الدكتور البني إنكاره وتأكيده على براءته و أوضح للسيد قاضي التحقيق حقيقة الدافع الذي حمل المخبر عاشورللإفتراء عليه و إثباتاً لكل ذلك فقدسمى الموكل بمحضر استجوابه الجاري بتاريخ 25/6/2008  خمسة شهوددفاع لإثبات حقيقة الدافع الشائن لدى " المخبر عاشور" و نفي التهمةالمسندة إليه من قبله و إثبات أن " المخبر عاشور " كان يهدد ضحاياه بفرعمخابرات فلسطين و أنه  كان يفرض الفوائدالربوية على ضحاياه وأنه كان يظهر بمظهر سلطوي مما يغدوا معه مجرد التفكير بانتقادالنظام الحاكم أمامه ضرباً من الانتحار و تأكيداً لكل ذلك سمى شهوداً على كلامه كلمن " حسن البكر و بشار الشيخ و طارقمجلي و يوسف يوسف " إضافة طبعاً للعراقي عليالعلي و الشهود الخمسة كانوا نزلاء فيسجن دمشق المركزي في ذلك الوقت.
و لا نعلم فيما لو كان تلكؤ السيد قاضي التحقيق في طلبالشهود لأشهر طويلة، أم حظ الموكل العاثر هو السبب في إخلاء سبيل ثلاثة شهود منأصل خمسة و فوات فرصة الاستماع لهم.
بكلالأحوال استمع قاضي التحقيق للشاهدين " بشار الشيخ و طارقمجلي " و اللذين أكدا على كيدية الإخبار الملفق و أن
 " المخبر عاشور " محتال و آفاق  و له العديد من الضحايا و قد سبق له و أن استجرمن الموكل مبلغ خمسة عشر ألف و خمسمائة ليرة سورية ثم أنكرها عليه فيما بعد و أن مطالبة الموكل له بإعادةالمبلغ  هي السبب في افتراءه عليه بهذه التهمة الكيدية التي  لا صحة لما ورد فيها من مزاعم لم يتلفظهاالموكل أصلاً.
 
وبالتالي فقد غدت القضية أمام السيد قاضي التحقيق عبارة عن :
مزاعممن مخبر بأن الموكل تلفظ أمامه فقط بالعبارات الجرمية و ليس هناك شخص ثالث سمعالكلام سواه ذلك بحسب ما ورد على لسان المخبر نفسه سواءاً أمام قاضي التحقيق أوأمام محكمتكم الموقرة.
وفي المقابل
إنكارتام مطبق من قبل الموكل لكل تلك المزاعم اللفظية عبر جميع مراحل المحاكمة بدءاًبالضبط الفوري المنظم في سجن دمشق المركزي لما ورد بأقواله أمام السيد قاضيالتحقيق.
وتأكد الإنكار من قبل الموكل بشهادة شاهدين و أثبتنا كيدية المزاعم و كذب الأقوال....و أثبتنا  حقيقة دوافع المخبر.... و أثبتناواقعة استجرار المال من قبل المخبر بالدسائس الاحتيالية .....و أثبتا أفك المخبر وظلاله ...و أثبتنا الصلة السببية بين عملية الاحتيال و تلفيق التهمة الكاذبة.
 
ولا نعلم بالحقيقة كيف يمكن لمجرد مزاعم مرسلة من  " لص سيارات و محتال و قاتل و سارق أموالعامة  "  و بعد أن ثبتت دوافعه الكيدية  بشهادة شاهدين ، أن توصل بالمتهم " و هو الطبيبو المدرس الجامعي " و الذي أنكر تلك المزاعم و الأقوال عبر جميع مراحل التحقيقو المحاكمة بما في ذلك الضبط الفوري و سـاند إنكاره بشهادة شاهدين  .......أن تحمله إلى قفص الجنايات...!!
ولئن كان من الممكن بناء  القرارالاتهامي على الشك و التخمين لا على الجزم و اليقين لكن لا يجوز بحال من الأحوالنسف المبدأ الدستوري الذهبي القائل أن المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته بحكم نهائيمبرم و أن قرينة البراءة يجب أن تبقى لاصقة بالمتهم و لا يجوز أن تنفصل عنه حتى لوكان المتهم معتقلاً سياسياً أو سجين رأي و موقوفاً بقضية ذات طابع يتعلق بالشأنالعام.
وأن مبدأ الأصل في المتهم البراءة تلقي بعبء إثبات الإدانة في حال إدعاءها على عاتقالنيابة العامة
ومن غير الجائز فقهاً و قانوناً و اجتهاداً إعفاء النيابة العامة من تحمل عبء إثباتالإدانة حتى و لو كان المتهم معتقل سياسي أو سجين رأي أو موقوف بقضية ذات طابعيتعلق بالشأن العام.
لاسيماو أن المتهم أنكر ما أسند إليه و أثبت صحة إنكاره بشهادة شاهدين ثبت من خلالهماكيدية الإخبار الذي لم يؤيد بدليل.
وأمام محكمتكم الموقرة أصرّ الموكل على براءته و إنكاره للمزاعم الواردة على لسانالمخبر التي لم تؤيد بدليل.
وإثباتاً لإنكار الموكل و كيدية التهمة الواردة على لسان المخبر فقد استمعت محكمتكمالموقرة لشهادة سـتة شهود هذه المرة ، و جميعهم يعرفون الطرفين "المخبر و الموكل " و جميعهم أكدوا الحقائق التالية:
طبيعةالمكان في سجن عدرا المركزي و الإكتظاظ الشديد داخل الغرفة التي تضم ما بين / 75 – 100/ نزيل و المسافة ما بين السرير و السرير التي لا تتجاوز / 70سم /  لا تسمح بإنفراد شخص بآخر بحيث باتمن المستحيل أن ينفرد نزيل بالحديث مع آخر دون أن يسمع هذا الحديث النزلاءالمحاذين له و الشهود الخمسة المستمعين في هذه القضية " فيما عدا الشاهد عبدوأصلي " كانوا محاذين للطرفين " الدكتور البني و المخبر عاشور " ولم يسمعوا أبداً على لسان الدكتور البني أي كلمة تتعلق بموضوع هذه القضية.
المخبرعاشور كذاب و محتال و آفاق و هو ما أكده الشهود الستة المستمعين فقد كان يدعي أنهطبيب حتى أنه وصف دواء للشاهد " أحمد جبالي " للآلام الظهر.
كما أنه كان يدعي صلات و علاقات أمنية و سلطويةعلى أعلى المستويات مع أعمدة السلطة و أصحاب القرار الأمني  في البلاد و قد تمّ تسمية العديد منهم من قبلشهود القضية ، و حتى المخبر عاشور لم ينكر علاقاته مع بعض الشخصيات النافذة فيالجلسة العلنية معللاًَ ذلك بأنه مهرب و أن النطاق المكاني لعمله بالتهريب يفرض عليه التعامل مع أمثال هؤلاء ، هذا عدا عن زعمه أمامالسجناء أن القصر الجمهوري يتابع محاكمته و كان كثيراً ما يهدد النزلاء بتقاريرهالأمنية و يدب الرعب و الهلع في أوصالهم، فهو معروف بسطوته و قدرته على الافتراءعلى الناس و كم كان يهددهم أن بإمكانه إخفاءهم عن وجه الأرض و حرمانهم من رؤيةالشمس " لطفاً الشاهد معتز كنجو " الأمر الذي يغدو معه مجرد التفكير بالبوح أمامه بكلمة واحدة مما نسـبللدكتور البني في تقاريره أو شهاداته مساً من الجنون .
ثبتتواقعة النصب و الاحتيال التي تعرض لها الدكتور البني من المخبر عاشور بشهادة خمسةشهود و حتى باعتراف "المخبر عاشور" نفسه حينما أفاد أمام محكمتكمالموقرة  أن الدكتور البني كان قد أعطاهثمن أكله و شربه ..!!
 و كأننا في فندق خاص و المخبر عاشور محاسب الادارةفيه..!!  و لم يعد خافياً على أحد أنالتخلص من المساءلة و المحاسبة عن المال المستجر بالنصب و الاحتيال هي السببالبعيد و الدافع الوحيد وراء كل هذا الافتراء و الكيد بالموكل بهذه التهم اللفظيةالملفقة.
المخبرعاشور معروف بخياله الواسع و افتراءه على الناس بتهم مجانية سداها و لحمتها الخيالوالتصورات الذهنية من بنات الأفكار و الطريف بالأمر أنه بعد أن يقوم بحياكة الفريةالجرمية يحاول استجلاب شهود الزور لإثباتها على الأرض كما حدث مع الشاهد "عبدو أصلي "  حينما كتب به "المخبر عاشور" تقريراً أمنياً زاعم فيه أنه سيحاول الهروب من السجن بلباس الشرطةأثناء نقل السجناء للمحاكم، ثم بعد ذلك حاول إقناع بعض السجناء بأن يشهدوا زوراُ وبهتاناً على صدق الواقعة المزعومة.
 
 
ثانياً : في التطبيق القانوني :
 
 بغضالنظرعما أورده الفقه القانوني في هذا الموضوع و عما جاء على لسان الفقيه الأستاذ محمدالفاضل .
 "من المســلم به أن التعبير عن فكرة خاصة أو الإفصاح عن رأي شخصي أو الجهر بعقيدةمعينة ، أو التنبؤ بما قد يكون أو التكهن عما قد يقع في المستقبل البعيد – كل ذلكلا يعتبر من قبيل نقل الأنباء الكاذبة أو المبالغ فيها، و لا مسؤولية عنها حتى ولو شابها الكذب أو بالغ صاحبها بها.
 و قديدق التفريق ما بين الإعراب عن رأي شخصي و الإخبار عن واقعة من الوقائع ففي الحالةالأولى الأمر مباح و لا عقاب عليه .
وليس يكفي – من أجل الملاحقة و المعاقبة – أنيكون الخبر المنقول كاذباً أو مبالغاً فيه و إنما ينبغي _ فضلاً عن ذلك – أن يكون من شأن الخبر المنقول أن يوهن نفســية الأمة.
و في موضع أخر يقول تفسيراً لهذا العنصر:
قد يصعب على القاضي أحياناً أن يستظهر هذا الركن من أركان الجريمة " أن يكون من شأن الخبر المنقول أن يوهن نفســية الأمة"و أن يتبين كل ما من شأنه أن وهن نفسـية الأمة ، و ينبغي أن يستعين في ذلك بالمعيارين الموضوعي و الذاتي فيوجه نظره إلى طبيعة الأخبار المنقولة وفحواها و وسائل نقلها و نشرها و اعلامها والوسط الذي نقلت إليه و غير ذلك من الظروف والملابسـات التي اكتنفت نقل النبأ الكاذب أو المبالغ فيه.
 
في حالة الدكتور البني لا أعتقد أن هناك صعوبة في التفريق و الأمر لا يحتاج إلى دقة في الاستدلال أو إلى حسن في الإستنتاح ذلك أن ضوء الشمس لا يمكن حجبه بالغربال.
 
فعلى فرض  " اللهم " على فرض أن الدكتور البني كان هو لص السيارات و القاتل و سارق المال العام و النصاب المحترف  الذي ينتقل من ضحية لأخرى .
وعلى فرض " اللهم " على فرض أن المخبر عاشور كان هو الطبيب و المدرس الجامعي و الناشط الاجتماعي و صاحب العقيدة و الوجدان.
وعلى فرض " اللهم " على فرض أنه لا تأثير لسوابق المتهم في تكوين القناعة الوجدانية للمحكمة الموقرة خلافاً لكل ما استقر عليه الفقه و القانون و الاجتهاد.
على فرض " اللهم " على فرض توفر القضد الجرمي حيث لا يخفى على مقامكم أن هذه  المادة بالذات تحتاج لقصد خاص محتواه– احداث الضرر الذي أراد المشرع تلافيه بوهن نفسية الأمة و فت عضدها و التسبب في انكسار جيوشها و نشر الوهن بين قواتها المسلحة والذهاب بريحهم على خلفية حديث بين سجينين لم يغادر الخلاء الواصل بينهما.
وعلى فرض " اللهم " على فرض أننا أمام حالة حرب فعلاً أعلنها السيد رئيس الجمهورية فعلاً سنداً لحكم المادتين / 100– 101 / من الدستور السوري التي اشترطت أن يعلن رئيس الجمهورية حالة الحرب.
وعلى فرض " اللهم " على فرض أن هناك عمليات عسكرية محتدمة حالياً بين الجيش السوري وجيش الدولة المعادية سنداً لحكم المادة / 276/ من قانون خدمة الضباط و التي نصت على أن الحرب هي " العمليات العسكرية المحتدمة بين جيشين"
وعلى فرض " اللهم " على فرض أن وقائع القضية أثبتت أن استجرار الخمسة عشرألف و خمسمائة ليرة سورية تمّ من قبل الدكتور البني للمخبر عاشور و ليس العكس.
 
بعد تحقق كل تلك الشروط الافتراضية الخيالية :
 
تقدم " المخبر عاشور " بإخباره زاعماً أن البني كان قد همس بإذنه بتلك العبارات في سجن دمشق المركزي و أنه لم يسمعها أحد من الناس سواه و ليس لديه وسيلة لإثبات مزاعمه تلك.
 و أنكر" البني " تلك العبارات و أثبت كيديتها و كذبها و زيفها و دوافعها الشائنة بشهادة ستة شهود.
فهل تتكفل مزاعم بوجود عبارات كان قد همس بها سجين لسجين داخل السجن و لم يسمعها أحد سواه و ليس لديه دليلاً عليها بأن تحدث النتيجة الجرمية و توهن نفسية الأمة من محيطها لخليجها.
و هل تكفي تلك المزاعم بوجود العبارات لتكون  مستنداً كافياً " أخلاقياً و قانونياً"  كفيلاً  بلصق رقم المادة العقابية / 286 / على ظهر الدكتور البني و تحويله إلى كتلة منسية داخل المؤسـسة العقابية .
 
ســؤال كبير و بانتظار كلمة حق و عدل و إنصاف من قبل محكمتكم الموقرة
 
بكل تحفظ و احترام
 
دمشق 7/6/2009                                              بالوكالة
 
                                                المحامي مهند الحسني

مقام محكمة الجنايات العسكرية الثانية الموقرة بدمشق