مقام محكمة النقض الموقرة

 

الطاعن : الكاتب حبيب صالح يمثله المحامي مهند الحسني

المطعون ضده : الحق العام

القرار المطعون فيه : هو القرار / 135 / في القضية رقم أساس / 356 / تاريخ 15/3/2009 الصادر عن محكمة الجنايات الثانية بدمشق و المتضمن تجريم الموكل بجناية نقل الأنباء الكاذبة التي من شأنها وهن نفسية الأمة وفقاً للمادة

/ 286 / من قانون العقوبات و الحكم عليه بالإعتقال لمدة ثلاث سنوات إضافة للحجر و التجريد المدني ....... إلخ ما جاء في القرار المطعون فيه.

 

الأســــباب

في الشكل:

بما أن الطعن مقدم خلال المدة القانونية مستوفياً جميع شرائطه الشكلية مما يغدو معه جدير بالقبول شكلاً ثم للأسباب الموضوعية التالية.

 

في الأســـباب الموضوعية للطعن :

 

أولاً : الحكم على الموكل مبني على وقائع لا علاقة له بها.

 

جاء في بند الوقائع في القرار المطعون فيه مايلي :

تتلخص وقائع القضية بأن المتهم حبيب صالح قام بتاريخ 12/1/2008 و بتاريخ 13/1/2008 بنشر مقالين على موقع إيلاف على الانترنت يذكر في المقالة الأولى أن : الدستور السوري يحمي المقامرين الذين وثبوا للسلطة بالقوة ثم وصف الدولة بأنها نظام التصدي للشعب و ذكر حرفياً بحسب ما ورد في بند الوقائع : أن دمشق شامخة على شعبها و هي عصابة الخنوع أمام العدو الصهيوني و تقول نعم للغرب و أذنابه الصهاينة و هي دولة الاغتيالات في لبنان....!!

 

بعد قراءة ما ورد في بند الوقائع في القرار المطعون فيه :

 

سارعت للمقالة الصادرة عن الموكل و التي تحمل عنوان " الدستور السوري و آلهة الذين كفروا "و قرأتها...... ثم أعدت قراءتها.........فلم أجد أثراً للعبارة الأنفة الذكر.

عدت بأدراجي لبند الأدلة سواءاً في القرار الاتهامي الصادر عن قاضي الإحالة أو قرار الحكم المطعون فيه و الصادر عن محكمة الجنايات.

فوجدت أن الأدلة الجرمية المسرودة في هذه القضية عبارة عنها أربع مقالات هي:  

 

الدستور السوري و آلهة الذين كفروا

هل النظام السوري " ممانع " متى و أين و كيف

الأحبار و الأكليروس في مواجهة رياض الترك.
محنة الثقافة السورية.

 

قرأت المقالات الأربعة حرفياً و بحثت فيها ثم أعدت التمحيص ....... فلم أجد أثراً للعبارة الواردة في بند الوقائع و المنسوبة للموكل و التي عزت له القول بالحرف الواحد : أن : الدستور السوري يحمي المقامرين الذين وثبوا للسلطة بالقوة ثم وصف الدولة بأنها نظام التصدي للشعب و أن دمشق شامخة على شعبها و هي عصابة الخنوع أمام العدو الصهيوني و تقول نعم للغرب و أذنابه الصهاينة و هي دولة الاغتيالات في لبنان....!!

 

فمن أين جاءت المحكمة الموقرة بهذا الكلام و أســست عليه حكماً بالاعتقال لمدة ثلاث سنوات على الكاتب حبيب صالح.....!!

 

لم أجد مناصاً من العودة لضبط شعبة المخابرات الفرع 248  ظناً مني أن العبارة جاءت على لسان جناب أحد المخبرين المكتومين في القضية فقرأته حرفياً و أعدت قراءته ........ فلم أجد أثراً للعبارة الواردة في بند الوقائع.

 

و المشكلة :

أننا أمام قرار جزائي صادر عن محكمة الجنايات بدمشق.

و لا يخفى على مقام المحكمة العليا أن القرار الجزائي الصادر بأساس الحق عن محكمة الشهر و العلني " الجنايات "  يبنى على الجزم و اليقين لا على الشك و التخمين....بمعنى أنه لا بد أن يكون للإستشهادات التي بنت عليها محكمة الجنايات قرارها وجود حقيقي ملموس و هو ما لم نتمكن من وضع اليد عليه .....

 

فمن أين جاءت محكمة الجنايات بتلك العبارة و نسبتها للموكل...!!

لا سيما و أن الهيئة مصدرة القرار المطعون فيه عادت و أكدت على ذات العبارة  في متن القرار " بند المناقشة القانونية " في السطر السادس و السابع من الصفحة الثالثة من قرار الحكم و التي ورد فيها بالحرف : أن الموكل كان يثير الشكوك الراسخة التي لا يجادل فيها قاص أو دان فيدعي زيفاً و بهتاناً أن سوريا " بلد النعم للغرب و أذنابه الصهاينة و بأنها دولة الاغتيالات في لبنان"

و أن ذيوع هذه الأنباء المزيفة و المغلوطة يعتبر عاملاً يسلب الأمة قوتها عوضاً عن أن يكون الموكل أحد العاملين على تقوية الشعور القومي و النهوض به و أنه كشف عن نوايا تريد إضعاف الأمة فاقتضى مسائلته .....إلخ ما جاء في القرار المطعون فيه.

 

 ليس هذا فحسب بل تعود الهيئة مصدرة القرار المطعون فيه فتؤكد في السطر الثامن و العشرين من الصفحة الثالثة حرفياً :  أن القول بأن سوريا دولة الاغتيالات في لبنان و سوى ذلك مما ذكر يعتبر خرقاً للمبادئ التي نص عليها الدستور ....... إلخ ما جاء في  متن القرار الطعين.

 

و الحقيقة أنه بعد ورود تلك العبارات في متن القرار الجزائي و استشـهاده المحكمة بها " حرفياً " في متن قرارها و لثلاث مرات متتالية و تأكيدها على أنها العنصر الأهم من عناصر التجريم .

مرتين في بند المناقشة القانونية كما سلف و أوردنا

و مرة في بند الوقائع كما نقلنا بالحرف.

 

عقدنا العزم الأكيد كجهة دفاع أن نسبر أغوار تلك العبارة التي أسـست عليها المحكمة الموقرة مشروعية حكمها و نكتشف سرها.

من أين جاءت تلك العبارات التي أثارت شكيمة الهيئة الموقرة لهذه الدرجة فحمّلت جلّ ما انتهى إليه القرار الجزائي من فقرات حكميه ثقيلة ] اعتقال لمدة ثلاث سنوات مع الحجر و التجريد [ على ما جاء في تلك العبارات.

 

من جهتي استخرجت مقالات سابقة للموكل سواءاً في الصحافة المطبوعة أو الالكترونية و قرأتها ..... ثم أعدت القراءة ........ فلم أجد أثراً لتلك العبارات.

 

عدت بأدراجي لما جاء في قرار الحكم فوجدت تأكيداً بأن تلك العبارة جاءت على هامش مقال الموكل " الدستور السوري و آلهة الذين كفروا "

ثم مرة أخرى استوقفني السطر الأول الوارد في بند الوقائع و المتضمن بالحرف : تتلخص وقائع هذه القضية بأن المتهم حبيب صالح قام بتاريخ 12/1/2008 و 13/1/2008 بنشر مقالين على موقع ايلاف.... مقالين و في أقل من أربع و عشرين ساعة...!!

 

لماذا يقوم حبيب صالح بنشر مقالين متتاليين في موقع واحد و لا يفصل بينهما سوى يوم واحد فقط.....!!

 

حسناً إذا كان المقال الأول منهما: هو الدستور السوري و آلهة الذين كفروا

و هذا المقال  بالتأكيد  لا يتضمن عبارة " الدستور السوري يحمي المقامرين الذين وثبوا للسلطة بالقوة أو وصف الدولة بأنها نظام التصدي للشعب و أن دمشق شامخة على شعبها و هي عصابة الخنوع أمام العدو الصهيوني و أن دمشق  تقول نعم للغرب و أذنابه الصهاينة و هي دولة الاغتيالات في لبنان و هي العبارة  التي دللت عليها المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه بصفتها هي العنصر الرئيسي للتجريم.

 

فأين هو المقال الثاني و المؤرخ في 13/1/2008 ..!!

 

و على الرغم من حجب الموقع الالكتروني إلا أنني تمكنت ببعض التقنيات البسيطة من اختراق الحجب و الوصول للمقالة الملمح اليها.

و قرأتها بكل تروي على الموقع بالذات ........ فلم أجد أثراً للعبارات العزوة للموكل و لم أجد مقالاً آخر للموكل مؤرخ في 13/1/2008 .

 

ما العمل الآن ... من أين جاءت المحكمة بالعبارات العزوة للموكل و المقالة المنسوبه له و المنشورة بتاريخ 13/1/2008.....!!

 

ثم تشاء الأقدار أن أسهب في البحث فانتقلت لبند تعليقات القراء.

 

تعليق القارئ الأول و المؤرخ في 12/1/2008 : يتحدث فيه القارئ عن مسرحية غربة و عن المختار " غوار الطوشة "  و عن الدستور الذي لم يتمكن الحمار من هضمه ..... إلخ

 

تعليق القارئ الثاني و المؤرخ بذات اليوم في 12/1/2008  : يهاجم فيه كاتب المقال و يؤكد أن سوريا ستبقى قلعة الصمود و التصدي في وجه الحاقدين و المتآمرين و .....إلخ

 

تعليق القارئ الثالث و المؤرخ في 13/1/2008 و يتحدث فيه القارئ عن عصابة التصدي للشعب و قمعه و أن دمشق العصابة شامخة على شعبها شاربة لدمه و هي عصابة الخنوع أمام العدو الصهيوني و الهروب من مواجهته ......دولة اللا للشعب و النعم للغرب و أذنابه الصهاينة .... دولة الكذب و الاغتيالات في لبنان.

 

و أخيراً ..... وصلنا لمربط الفرس:

أخيراً ..... اهتدينا للمقالة المؤرخة في 13/1/2008 و التي اعتمدتها محكمة الجنايات بدمشق للحكم على الكاتب الصحفي حبيب صالح بالاعتقال ثلاث سنوات.

 

مع الأسف لم تكن تلك المقالة سوى تعليق من القارئ الثالث على مقالة الكاتب حبيب صالح كان قد أرسله للموقع في اليوم التالي لنشر المقال على موقع ايلاف.

 

ســـامحك الله أيها القارئ الثالث كائناً من كنت و في أي رقعة من العالم كنت.

سامحك الله على تعليقك الناري .....

 لقد تســبب تعليقك في كارثة لكاتب المقال حبيب صالح.

فقد اعتمدته محكمة الجنايات الثانية مستنداً في الإدانة و حملت على أساسه عقوبة جزائية بالاعتقال ثلاث سنوات على الكاتب حبيب صالح بعد أن اعتقدت "خطأ"  أنه مقال ... و أن الكاتب حبيب صالح كان قد نشرها في اليوم التالي لنشر المقال الأولي المؤرخ في 12/1/2009....!!

·       هل تعلم أيها القارئ الثالث أن الكاتب حبيب صالح و الذي تجاوز الثالثة و الستين من العمر يقضي حالياً عقوبة بالاعتقال المؤقت ثلاث سنوات بسبب تعليقك الساخر على مقالته.

·       هل تعلم أيها القارئ الثالث أنك بكتابة التعليق على مقال الكاتب حبيب صالح كنت ترسم رقم المادة العقابية / 286 / على ظهره لتحوله فيما بعد إلى كتلة منسية داخل المؤسـسة العقابية بعد أن اعتقدت محكمة الجنايات الموقرة " خطأ "  أن تعليقك ما هو إلا مقالة جديدة للكاتب حبيب صالح كتبها في اليوم التالي لكتابة المقال الأول و أرسلها لذات الموقع.

·       هل تعلم أيها القارئ الثالث أن الكاتب حبيب صالح سيمضي أكثر من ألف ليلة في ظلام السجن بدلاً عنك.

 

بعد أن وجدنا ضالتنا ...... العبارة التي بذلنا جهد الطاقة في البحث و التحري عنها : الدستور السوري يحمي المقامرين الذين وثبوا للسلطة بالقوة ثم وصف الدولة بأنها نظام التصدي للشعب و أن دمشق شامخة على شعبها و هي عصابة الخنوع أمام العدو الصهيوني و تقول نعم للغرب و أذنابه الصهاينة و هي دولة الاغتيالات في لبنان....!!

اكتشفنا فجأة أنها ليست للكاتب حبيب صالح و إنما هي لقارئ مجهول الهوية و الشخصية و العنوان.

اكتشفنا أن حبيب صالح برئ منها براءة يوسف من إثم زوجة عزيز مصر، فهو لم يخط تلك العبارات يوماً و هي لم ترد على لسانه و لا علاقة لها بمقالته التي تحدث فيها عن الدستور و لا في غيرها من المقالات التي سبق له و أن سطرها .

 

للحقيقة و التاريخ فقد كانت تلك العبارة موجودة تحت بند تعليقات القراء.

 

 و لئن ذكر موقع إيلاف تحت بند تعليقات القراء : أن الآراء الواردة في التعليقات تعّبر عن آراء أصحابها و ليس عن رأي ايلاف .

 إلا أن ذلك لم ينطبق على محكمة الجنايات بدمشق مع الأسف الشديد لوقوعها في الخطأ المهني الجسيم حينما خلطت بين ما جاء في مقالة الكاتب و ما جاء في تعليقات القراء عليها.

فاعتمدت المحكمة الموقرة آراء القراء كمستند في إدانة كاتب المقال ظناً منها أن تعليقات القراء ما هي إلا مقالات جديدة منسوبة بدورها لكاتب المقال نفسه.

لذلك لم تناقش المحكمة الموقرة المقال بحد ذاته و لم تستقي منه عنصراً من عناصر التجريم لأنه عبارة عنه دراسة تحليلية حقوقية لنصوص الدستور السوري  لكنها لجأت لتعليق القارئ السمج و اجتزأت منه بعض الجمل و العبارات و اعتمدتها كمستند في إدانة الكاتب حبيب صالح ظناً منها أن تعليق القارئ ما هو إلا : مقالة جديدة منسوبة للكاتب حبيب صالح كان قد حررها في اليوم التالي لتحرير المقالة الأولى و المؤرخة في 12/1/2008.....!!

 

ســــيدي رئيس و أعضاء الغرفة الجنائية بمحكمة النقض العليا:

 

مما لا خلاف عليه فقهاً و قانوناً و اجتهاداً أن انقطاع العلاقة السببية ما بين أسباب الحكم و منطوقه و ذلك باستشهاد القرار المطعون بأسباب للحكم على الطاعن بالإدانة مستقاة من تعليق لأحد القراء ثم يتبين بالدليل القاطع و البرهان الساطع أنه لا علاقة للمتهم بذلك التعليق لا من قريب و لا من بعيد، إنما يشكل بحد ذاته سبباً واضحاً فاضحاً  لفسخ القرار المطعون فيه.

خاصة و أن القرار المطعون فيه لم يستشهد و ينقل حرفياً إلا من التعليق الوارد من القارئ  المجهول الهوية ظناً من المحكمة الموقرة  أنه للموكل و على أساس ما ورد في التعليق أصدرت محكمة الجنايات الحكم على الموكل بالإعتقال ثلاث سنوات.

فنحن هنا لا نتحدث عن فساد في الاستدلال و الاستنتاج فيما توصلت إليه محكمة الجنايات فقط ، و لا عن بناء الحكم على الموكل استناداً للجمل العامة و الألفاظ المجملة والتي من الممكن أن تصلح لأن تكون جزءاً من تحليل سياسي أو موجز أخباري أكثر منها تعليلاً لحكم قضائي.

إننا هنا أمام قرار حكم مبني على أسباب لا علاقة للمتهم بها ، تمّ استقائها نتيجة خطأ مادي من تعليق لأحد القراء و اعتمدتها المحكمة مع الأسف الشديد عنصراً رئيسياً في تجريم الموكل مما يشكل سابقة لا مثيل لها وهو  ما تأنفه عدالة المحكمة العليا و تربأ به العدالة في سوريا.

 

ثانياً : لن أقحم نفسي كثيراً في الدخول بالأســباب الأخرى المستوجبه لفسخ القرار المطعون فيه على كثرتها و اتساع خرقها للأصول و القانون و التي منها على سبيل المثال لا الحصر :

 

1) أن المحكمة أصدرت حكمها على الكاتب حبيب صالح بالإعتقال ثلاث سنوات بموجب المادة / 286 / عقوبات و المتعلقة بوهن نفسية الأمة دون أن تبدل الوصف الجرمي.

فنظرة سريعة على الملف من بدايته لنهايته نجد أن النيابة العامة و من قبلها السلطات الأمنية  لم تحرك دعوى الحق العام بحق الموكل بموجب المادة 286 .

كما أن الهيئة الاتهامية بدءاً من قاضي التحقيق و انتهاءاً بقاضي الإحالة لم تستجوب الموكل سنداً للمادة 286 عقوبات.

و حتى أمام محكمتكم الموقرة لم تتح الفرصة للموكل للدفاع عن نفسه فيما يتعلق باتهامه على خلفية المادة 286 عقوبات.

و القرار الصادر عن محكمة الجنايات لم يبدل الوصف الجرمي للموكل من جناية إضعاف الشعور القومي سنداً للمادة / 285 / عقوبات التي دافع الموكل عن نفسه في مواجهتها بالدليل و الحجة و البرهان العقلي و المادي من قبيل إيصالات التبرع لأطفال فلسطين و العراق بآلاف الدولارات.

لنفاجئ بالحكم عليه فيما بعد :

بموجب المادة / 286 / عقوبات المتعلقة بوهن نفسية الأمة دون أن تحركها النيابة العامة أساساً ، و دون أن تتاح له الفرصة للدفاع عن نفسه بمواجهتها .....!!

و دون أن تبدل المحكمة الوصف الجرمي من جناية إضعاف الشعور القومي أو اثارة الحرب الأهلية..... لجناية وهن نفسية الأمة التي صدر الحكم على أســـاسها.....!! 

 

2) فساد الاسـتدلال و الاستنتاح الناتج عن طمس المسافة الفاصلة ما بين الأنباء الكاذبة التي توهن نفسية الأمة و الوارد ذكرها في المادة / 286 / عقوبات من جهة........ و آراء و معتقدات معتقلي الرأي و الضمير من الكتاب و الأدباء و الصحفيين من جهة أخرى :  

 

كما لا يخفى على مقام المحكمة العليا أن المادة / 286 / عقوبات كانت قد نصت على أنه يستحق عقوبة الاعتقال من نقل في سورية في زمن الحرب أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها وهن نفسية الأمة ، و إذا كان الفاعل يحسب هذه الانباء صحيحة فعقوبته الحبس ثلاثة أشهر.

 

و للتفريق ما بين الأنباء الكاذبة .... و آراء المعارضة أستشهد بالفقة القانوني و ليس بكلام من قبلي كمحامي دفاع و أذكرّ فقط بما جاء على لسان الفقية الأستاذ محمد الفاضل في كتابه الجرائم الواقعة على أمن الدولة في شرحه لهذه المادة.

 " من المســلم به أن التعبير عن فكرة خاصة أو الإفصاح عن رأي شخصي أو الجهر بعقيدة معينة ، أو التنبؤ بما قد يكون أو التكهن عما قد يقع في المستقبل– كل ذلك لا يعتبر من قبيل نقل الأنباء الكاذبة أو المبالغ فيها ، و لا مسؤولية عنها حتى و لو شابها الكذب أو بالغ صاحبها بها ، و قد يدق الفرق ما بين الإعراب عن رأي شخصي و الإخبار عن واقعة من الوقائع ففي الحالة الأولى الأمر مباح و لا عقاب عليه ، أما الفعل الثاني نص المادة / 286/ عقوبات.

وليس يكفي – من أجل الملاحقة و المعاقبة – أن يكون الخبر المنقول كاذباً أو مبالغاً فيه و إنما ينبغي _ فضلاً عن ذلك – أن يكون من شأن الخبر المنقول أن يوهن نفســية الأمة.

و عليه فإن الأنباء الكاذبة هي الأخبار غير الصحيحة أو المعلومات المحرفة بمعنى : اختلاق واقعة من الوقائع أو تشويهها بإضافة جزء أو اقتطاع آخر أو اسناد فعل أو قول لشخص دون أن يصدر عنه إو إيراد حدث على أنه حصل فعلاً و لم يكن لذلك ظل من الحقيقة بشرط : أن يكون الفاعل عالماً بأن النبأ أو الخبر أو المعلومة أو الحدث أو الواقعة محرفة و لا أساس لها من الصحة و أراد من خلالها ذلك أن يوهن نفسية الأمة.

علماً بأن عنصر العلم بأن الخبر أو النبأ أو الحدث مختلق... ليس مفترضاً.

و على النيابة العامة أن تتحمل عبء الاثبات بأن الفاعل كان يعرف أن الخبر أو الواقعة أو الحدث مختلق و مع ذلك سعى لترويجه و إلا فنحن أمام جنحة عقوبتها الثلاثة أشهر وفقاً لصريح الفقرة الثانية من المادة / 286 / عقوبات.

و على النيابة العامة أيضاً أن تثبت أيضاً أن النية الجرمية للفاعل كانت قد اتجهت من وراء ترويج الخبر أو الحدث أو الواقعة الكاذبة لوهن نفسية الأمة.

و على أن يرتبط ذلك بظرف زماني و مكاني " هو حالة الاشتباكات العسكرية التي تعقب إعلان النفير العام و هي حالة ليست مفترضاً سلفاً وفقاً لصريح النص القانوني و الدستوري سنداً لصريح المادتين / 100101 / من الدستور السوري النافذ التي اشترطت أن يعلن رئيس الجمهورية حالة الحرب في كافة وسائل الاعلام و هو مالم يحدث حالياً.

ثم أن المادة / 276 / من قانون خدمة الضباط عرفت حالة الحرب على أنها :

 ] العمليات العسكرية المحتدمة بين جيشين [ الأمر الذي لم يقع زمنياً أو مكانياً أو عسكرياً سواءاً إبان كتابة المقالات الأربعة من قبل الكاتب حبيب صالح أو إبان فترة إلقاء القبض عليه أو بعدها أو حتى قبلها؟

ثم أن الخطاب الرسمي يؤكد أن القرار السياسي العلن للجمهورية العربية السورية هو السلام الاستراتيجي وفقاً لمبدأ الأرض مقابل السلام و على أساس هذا المبدأ قام مؤتمر مدريد و مفاوضات السلام غير المباشرة الجارية الآن بوساطة تركيا بين سوريا و إسرائيل مما ينفي حالة الحرب أو توقع نشوبها.

 

و على الجانب الآخر فلا يخفى على الكبير أو الصغير أن الكاتب و المحلل السياسي حبيب صالح لم يأتي على ذكر أخبار أو أنباء أو وقائع مادية أو تسريبات معينة تتعلق بالجيش أو حالة القوات المسلحة في زمن الاشتباكات العسكرية بغية وهن نفسية الأمة أو إضعاف القوات المسلحة أو الذهاب بريحهم.

 

الكاتب و المحلل السياسي حبيب صالح طرح آراء و تحليلات سياسية و استقراءات و استنتاجات فكرية و محاكمات عقلية و دراسات قانونية و الفرق بين الحالتين بيّن و لا يحتاج لكثير شرح و طويل عناء و حسبي هنا أن أذكر بما جاء على لسان الموكل أمام محكمة الجنايات بدمشق في الجلسة العلنية حينما أدلى بأقواله الأخيرة قبل قفل باب المرافعة حيث أورد بالحرف :

 

حضرات الســـادة الأفاضل

رئيس و أعضاء الغرفة الجنائية بمحكمة النقض

لقد أزفت ساعة الحقيقة.... لقد آنت ساعة العدالة....إنها ساعة المواقف المشرفة ...الساعة التي يصدق فيها الرجال مع أنفسهم ...الساعة التي يكتشف فيها الرجال المتصالحين مع ضمائرهم بعضهم بعضاً ... الرجال الذين أدهشوا زمانهم في الزمن الصعب ....... أولئك الذين سيذكرهم التاريخ شواهد نور ومعالم فخر و اعتزاز على طريق دولة الحق والعدل والقانون.

 

أيها السادة الأفاضل

بين أيديكم قضية ضمير

قضية كاتب صدر بحقه حكم جنائي بالاعتقال ثلاث سنوات على خلفية تعليق لأحد القراء على شبكة الانترنت

لقد آن الأوان لرفع رأس البلاد وصون سمعة القضاء واثبات أن من بين قضاتنا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ثم لم يبدلوا تبديلا.

رجال لا يلبسوا الحق بالباطل ويكتموا الحق وهم يعلمون

رجال يتقوا الله في حمل الأمانة ويذكرون قوله عز من قائل:

بسم الله الرحمن الرحيم

"فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون "

صدق الله العظيم

 

 

 

 

ثالثاً : في الطلب

 لما سبق بيانه من أسباب و لما ترونه عدالتكم " عفواً " من أسباب فقد جئتكم طالباً قبول الطعن شكلاً و موضوعاً و فسخ القرار الطعين و إعادة الملف لمرجعه لإتباع الأصول و القانون إحقاقاً للحق و إعلاءاً لراية العدل و إعمالاً للمنطق و القانون.

 

باحترام

 

 

دمشق 12/4/2009                                                          بالوكالة